الجواد الكاظمي
285
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
أو في العرف بحيث يصدق أنّه فعل لأجل حصوله ، وإن كان في هذه الصورة لا يخلو من القصد أيضا . [ وأما ما ينقل عن بعض الأكابر أنّ خيّاطا قال له إنّي أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني داخلا بهذا في أعوان الظَّلمة ؟ فقال : الدّاخل في أعوان الظَّلمة من شوّك الأبر والخيوط أمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم ، فالظاهر أنّه محمول على نهاية المبالغة في الاحتراز عنهم ، وإلَّا فالأمر مشكل ] ( 1 ) . وقد يستفاد من الآية أنّ تعاقب الأيدي على الحسنة يوجب تعدّد ثوابها بالنسبة إلى من جرت على يده وإن تعدّد ، من غير أن ينقص صاحبها من الثواب الَّذي قدّر له الشّارع ، وكذا تعاقبها على الإثم يوجب تعدّده من غير أن ينقص صاحبها من الإثم الَّذي قدّر له . « واتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » أمر منه تعالى بالتقوى ووعيد وتهديد لمن تعدّى حدوده وتجاوز أمره . الثالثة : [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ والْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ والْبادِ ومَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ] ( 2 ) . « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ » لا يريد بهذا الفعل حالا ولا استقبالا وإنّما يريد استمرار الصدّ منهم ، والمنع للنّاس في جميع الأوقات عن طاعة اللَّه كقولك فلان يعطى ويمنع ، أي هكذا صفته ، ومن ثمّ حسن عطفه على الماضي ( 3 )
--> ( 1 ) ما بين العلامتين من زيادات نسخة سن . ( 2 ) الحج : 25 . ( 3 ) الأصل في عطف الجمل أن تتفق الجملتان في الاسمية والفعلية والفعليتان في الماضوية والمضارعة وقد يعدو عن ذلك لأغراض كحكاية الحال الماضية واستحضار الصورة الغريبة في الذهن نحو « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » ونحو « فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وفَرِيقاً تَقْتُلُونَ » أو كإفادة التجدد في إحداهما والثبوت في الأخرى نحو « أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ » والصديق يكاتبني وأنا مقيم على وده . واحتمل بعض في الآية كون « ويَصُدُّونَ » حالا من الفاعل في « كَفَرُوا » والأكثرون على امتناع دخول واو الحال على المضارع المثبت الغير المقترن بقد ، والحق عندي جوازه وسيأتي في المجلد الثالث من هذا الكتاب عند تفسير الآية 37 من سورة الأحزاب ان المصنف يجعل الواوات في قوله تعالى : « وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ » للحال وقال الشاعر : فلما خشيت أظافيرهم * نجوت وأرهنهم مالكا وقال عنترة العبسي : علقتها عرضا وأقتل قومها * زعما لعمر أبيك ليس بمزعم وقالوا قمت وأصك وجهه وتأولها المانعون بتقدير مبتدء محذوف ، أي وأنت تخشى الناس ، وأنا أرهنهم مالكا ، وأنا اقتل ، وأنا أصك ، وجعلها الشيخ عبد القاهر الجرجاني واو عطف والجملة بعدها حكاية حال ماضية . قال الدسوقي في حاشيته على مختصر المعاني ج 2 ص 107 ان الأندلسي قال معنى حكاية الحال الماضية أن تقدر نفسك كأنك موجود في الزمن الماضي أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن ، وقال صاحب الكشاف معنى حكاية الحال الماضية أن تقدر أن ذلك الأمر الماضي واقع في حال التكلم ، كما في قوله تعالى : « قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ » واستحسنه الرضى انتهى ما في حاشية الدسوقي .